كان أبو الفضل في
أول أمره معلما
(1) و شرع حياته الأدبية مؤدبا في
بعض الكتاتيب, كما قال صاحب كتاب الباهر, جعفر بن حمدان :
(2)
( كان في أول أمره معلما,
فمؤدبا لأبناء بعض الأسر الثرية ).
(3)
ثمّ اشتغل بعد ذلك في نسخ
الكتب و اكترى حانوتا, جلس في سوق الوراقين في الجانب الشرقي.
(4) و أخذ ينشر الكتب
الكثيرة من جمعه و تأليفه في الشعر و الأدب و التاريخ و الأساطير.
(5)
قيمته الأدبية و منزلته العلمية
اختلفت أقوال من ترجم
لأبي الفضل فمنهم من اقتصرت أقواله على ذكر فضله و أدبه و شاعريته و
علمه , و منهم من ينتقده انتقادا لاذعا, و يذكر مع ذلك شيئا يسيرا من
أدبه و آداب معاشرته كما يأتي :
فممن أثنى عليه من
المتقدمين و المتأخرين المستشرق فازيليف بقوله :
( كان ابن طيفور كاتبا في
الدواوين, واعظا, شاعرا, محدثا, كثير الحفظ للحديث).
(6)
و قال آخر :
أديبٌ , كاتبٌ, مؤرخٌ ,
إمامٌ من أئمة الأدب, و علمٌ من علام الكتاب, و من أقدم من عرف بتدوين
التاريخ, بل هو أول من دون تاريخ مدينة السلام.
(7)
و قال آخرون :
كان ابن طيفور أحد
البلغاء, الشعراء, الرواة من أهل الفهم المذكورين بالعلم,(8)
المكثرين من التصنيف والتأليف,
المعروفين بالذكاء وجودة البيان.
(9) و قال السخاوي عند ذكره ــ
أبي الفضل في عداد المؤرخين : انّه أحد فحول الشعراء و أعيان البلغاء
(10) و هو القائل :
حسبُ الفتى أن يكون ذا
حسب
من نفسه ليس حسبه حسبُه
ليس الّـــذي يـــبتدي به
نســـبٌ
مــثل ااذي يـــنتهي بــه نســبُه
و من قوله أيضا :
قد كنتُ أصدُقُ في وعدي
فصيرّني
كـــذابـــة ليس ذا في جـــملة الأدب
يا ذاكرا حُلتُ عن عهدي و
عـهدكُم
فنُصرةُ الصدق أفضت بي إلى الكذب
(11)
كان ذلك النزر ما أثنوا
على أبي الفضل الكاتب.
أمّا من انتقده و اتّهمه
بسرقة بيت شعر و غير ذلك, فمنهم صاحب كتاب الباهر جعفر بن حمدان
بقوله :
(و لم أرممن شُهربمثل ما
شُهر به من تصنيف الكتب,
(12)
و قول الشعر أكثر تصحيفا منه و أبلد علما ولا ألحن).
و قال أيضا ــ ابن
حمدان ــ يروي ابن طيفور :
( و لقد أنشدني ــ ابن
طيفور ــ شعرا يعرضه عليّ في إسحق بن أيوب لحن في بضع
عشرة
(13)
موضعا منه. و كان أسرقّ الناس لنصف بيت و ثلث بيت).
قال : و كذا قال لي
البحتري فيه.
( و كان مع هذا جميل
الأخلاق ظريف المعاشرة, حُلوا من الكهوب).
(14)
هكذا روى إبن اسحق النديم
في الفهرست هذه الرواية عن صاحب الباهر لابن حمدان دون أن يعلق
عليه بكلمة. و كذلك فعل ياقوت
الحموي و الصفدي , فقد نقلا الرواية عن الكتاب دون ما نقد أو
أي تعليق.
و هذا القول من صاحب كتاب
الباهر في أبي الفضل ابن طيفور, يدعو القارئ للعجب. فهل يقعل, أو
هل أن ذلك ما يقبله العقل السليم أن يكتب أديب كتابا في موضوع سرقة الشعر
و الأشعار الشعراء, في حين أنّهُ لا يورع عن سرقة بيت أو نصف بيت أو ثلث
بيت من الشعر فينسبه نفسه, الّا اللهم أن يكون منافقا يظهر شيئا و يبطن
غيره, فينهى عن ــ أمر و يفعله أو يقبح شيئا و يأتي به, ليصدق عليه
قول الشاعر :
لا تنه عن خُلق و تأتي
مثله
عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ
و إذا رجعنا إلى آراء
الآخرين وجدناهم يختلفون في ما رووا عنه, فمثلا نجد البحاثة محمد بن
اسحق النديم عندما يذكر ابنه أبي الحسين بن أحمد, يقول :
و روايته أقل من رواية
أبيه, فأما الدراية و التأليف فكان أحمد أحذق و أمهر.
(15)
و قال الخطيب البغدادي
:
كان أحدالبلغاء الشعراء
الرواة ومن أهل الفهم المذكورين بالعلم.(16)
كان ذلك رأي المتقدمين في أبي الفضل.
أما رأي المتأخرين فيه و
في ما قيل و روي عنه, فقد قال المستشرق ك. هيوار :
و لقد عاداه الكثيرون
عندما ألّف كتاب سرقات الشعراء, الذي لم يصل إلينا و اتّهموه بعدم الخبرة
و الضعف في النحو.
(17)
و قال أيضا : و لقد قدر المسعودي شعره و ذكر بعضه....
(18)
و أشار
هيوار إلى مصدره لهذا القول, و عندما رجعنا إلى ما أرجع إليه قول
المسعودي في ابن طيفور, لم نجد تقدير المسعودي له, و
كذلك وجدناه لم ينتقد شعر أبي الفضل بكلمة ما و لم يلق عليه بشيء,
بل ذكر له قصيدة في رثاء يحيى بن عمر, ضمن ذكره لأخباره بقوله :
و مما رُثي به ما قاله
فيه أحمد بن أبي طاهر الشاعر في قصيدة طويلة.
(19)
و قال الشيخ محمد
زاهد الكوثري : كان أبو الفضل ـ أحد البلغاء, الشعراء
الرواة من أهل الفهم المذكورين بالعلم.المعروفين بالذكاء وجودة البيان.
(20)
و قال أيضا :
و قد غالى جعفر بن
أحمد
(21) بن حمدان
( الباهر ) في رميه بالتصحيف و السطو على أنصاف أبيات و أثلاث أبيات,
غير حاسب أن ذلك ليس من باب الانتحال, بل من نوع الابداع المعروف عند أهل
البديع ...
(22)
و قال فؤاد أفرام
البستاني :
و ألّف كتابا في (
سرقات الشعراء ) فأغاظهم, و ألّب عليه الكثيرين, فأخذوا يتهمونه باللحن و
الخطأ , التصحيف , و سرقة الشعر , حتى قال جعفر بن حمدان صاحب
كتاب الباهر, في ما نقل ابن النديم :
(23)
( و لم أر
من تشهر.. )
(24) و نقل الرواية
بكاملها.
و قالت لجنة من العلماء و
الباحثين في معهد الدراسات العربية التابع للجامعة العربية في ترجمة
أبي الفضل أحمد بن طيفور :
( أعجب بعض الناس بشعره,
و لكن الكثيرين اتّهموه باللحن و السرقة من الشعراء القدماء ).
(25)
بعد ذكر هذه الأقوال في
ابن طيفور لا نستطيع أن نحكم على ابن طيفور بالسرقة لبيت
أو نصف أو ثلث بيت, و كذلك لا نستطيع في هذه العجالة أن ندفع عنه التهمة
أو نبرّئه منها, لقلة المصادر و الكتب المتوفرة في متناول أيدينا و التي
ربّما أرشدتنا إلى الحقيقة و الواقع.
و لكننا إذا راجعنا
مصنفات و مؤلفات أبي الفضل نجد أن من جملة الكتب التي صنّفها في
سرقات الشعر و الشعراء كتاب : سرقات البحتري من أبي تمام, و إذا
علمنا أن البحتري كان من خلان أبي القاسم جعفر بن
محمدبن حمدان الموصلي وأنّه كانت بينه و بين البحتري مراسلة,
و أنّه رثاه بعد وفاته,
(26)
أمكننا أن نقول :
ان ابن حمدان
بقوله ذلك في أبي الفضل ابن طيفور, أراد الدفاع عن البحتري,
أو ــ إن صحّ القول ــ الثأر للبحتري من أبي الفضل.
و بعد كل ما ذكرناه, لعل
الصحيح في ما قاله صاحب كتاب الباهر في أحمد بن بي طاهر : أنه كان
أسرق الناس لنصف بيت ثلث بيت,إن صحّ ذلك,أنّه نوع من الابداع المعروف عن
أهل البديع,(27)
أو إنّهُ
من نوع توارد الخواطر, و وقوع حافر على حافر.
(28) و هذا ـ توارد الخواطر ـ أمرٌ كان معروفا
عن الشعراء و غيرهم , قديما و حديثا , ففى الجاهلية نرى هذا الأمر واضحا
و جليلا في شعر الشعراء, فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما أنشد
طرفة بن العبد في معلقته المشهورة :
لخـــولة أطـــلالٌ
بـــبرقة ثــهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقوفا بها صحبي عليّ
مطيّهُم
يـــقولون لا تهـــلك أسيّ و تجـــلّد
(29)
و البيت الثاني هو
لامرىء القيس من معلقته المشهورة :
قفا نبك من ذكرى حبيب و
منزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
و من أبياتها :
وقوفا بها صحبي عليّ
مطيّهم
يقولون لا تهلك أسيّ و تجمّل
(30)
و كذلك فقد سلّم و اعترف
بهذا الأمر الشعراء و الأدباء فضلا عن غيرهم, حديثا و قديما. فقد قال
المتنبي :
الشعر ميدان, و الشعراء
فرسان, فربّما اتفّق توارد الخواطر,كما قد يقع الحافر على الحافر.
(31)و
قد عقد أبو هلال العسكري فصلا خاصا في كتابه لهذا الأمر,
تحت عنوان :
و قد أطبق المتقدّمون
والمتأخرون على تداول المعاني بينهم, فليس على أحد فيه عيب إلّا إذا أخذه
بلفظه كلّه, أو أخذه فأفسده, و قصّر فيه عمّن تقدمه, و ربّما أخذ الشاعر
القول المشهور و لم يبال,كما فعل النابغة, فإنه أخذ قول وهب بن
الحارث ابن زهرة :
تبدو كواكبه و الشمسُ
طالعة
تجري على الكأس منه الصّابُ و المقرُ
و قال النابغة :
تبدو كواكبهُ و الشمسُ
طالعة
لا النُّـــور نـــــورٌ و لا الإظـــلام إظـــلامُ
(32)
و قال
أيضا :
و قد يقع للمتأخّر معنّى
سبقه إليه المتقدّم من غير أن يلمّ به, و لكن كما وقع للأوّل وقع للآخر.
و هذا أمرٌ عرفته من نفسي, فلستُ أمتري فيه
(33) و ذلك أني
علمتُ شيئا في صفة النّساء و هو : سفرن بدورا و انتقبن أهللّة
و ظننتُ أنّي سبقت إلى
جمع هذين التشبيهين في نصف بيت , إلى أن وجدته بعينه لبعض البغداديين
فكثر تعجبي, و عزمتُ على ألا أحكم على المتأخّر بالسرقة من المتقدم حكما
حتما.
(34)
بعد كلّ هذا, لا يبقي
مجال للشك في ما ادعاه صاحب كتاب الباهر من أن أبا الفضل كان أسرق
الناس لبيت أو نصف أو ثلث بيت, بأنّه من هذا النوع من أنواع البديع.
1ـ دائرة
المعارف الاسلامية.
2ـ هكذا
ذكر اسمه ابن اسحق النديم في كتابه الفهرست بترجمة ابن طيفور في نقله عن
كتاب الباهر. و أما في ترجمة كتاب الباهر و صاحبه فيقول :
(جعفر بن
حمدان الموصلي, هو أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي... فأمّا
كتبه الأدبية فهي : كتاب الباهر في الاختيار من أشعار المحدّثين (و بعض
القدماء و السرقات), الفهرست ص 166 . و أما ياقوت الحموي, فقد نقل هذه
الرواية بعينها في ترجمة أبي الفضل, قائلا في مقدمتها :
(و حدث
جعفر بن أحمد صاحب كتاب الباهر : كان أحمد بن أبي طاهر..) و لكنه في
ترجمته يقول :
(هو أبو
القاسم جعفر ـ بن محمد بن حمدان الموصلي ـ ويذكر من جملة كتبه : الباهر
في أشعار المحدّثين, عارض به الروضة للمبرد. معجم الادباء.
و قال حاجي
خليفة في هذا الصدد: الباهر في الاخبار لأبي القاسم جعفر بن محمد بن
حمدان الموصلي. عارض فيه كتاب الروضة للمبرد. كشف الظنون, مادة: الباهر.
3ـ دائرة
المعارف الاسلامية, و قريب من هذا المعنى في الموسوعة العربية الميسرة.
4 ـ
الموسوعة العربية الميسرة, و دائرة المعارف الاسلامية, و أفرام البستاني
في دائرة المعارف.
5 ـ النديم
في الفهرست؛ و الصفدي في الوافي بالوفيات؛ و أفرام البستاني في دائرة
المعارف.
6ـ
فازيليف, كتاب العرب و الروم, ص 339.
7ـ دائرة
المعارف, افرام البستاني, مادة : ابن أبي طاهر و عزة العطار الحسيني,
مقدمة كتاب بغداد لابن طيفور.
8 ـ الخطيب
البغدادي في تاريخ بغداد, ترجمة أحمد بن أبي طاهر.
9ـ مقدمة
كتاب بغداد لابن طيفور.
10ـ كتاب
الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ التاريخ, ص 178.
11ـ ياقوت
الحموي في معجم الأدباء.
12ـ جاء في
الفهرست ؛ و في معجم الأدباء و الوافي بالوفيات هكذا : من التصنيف الكتب.
13ـ ورد في
الفهرست, و في معجم الأدباء و الوافي بالوفيات هكذا : بضعة عشر.
14ـ هكذا
جاء في الفهرست, و في معجم الأدباء هكذا : حُلوا من بين الكهول و في
الوافي لم تررد هذه العبارة الأخيرة. و الكهوب لعله مصدر : كهب أو كهُب
أو مهُب , و الاسم منه : الكُهبة بمعنى الغبرة مشربة بالسواد.
15ـ
الفهرست, ص 163.
16ـ تاريخ
بغداد بترجمة أحمد بن أبي طاهر.
17ـ يعني
اللحن في اللغة.
18ـ دائرة
المعارف الاسلامية , مادة : ابن أبي طاهر.
19ـ
المسعودي في مروج الذهب, الطبعة الاوربية 7/ 333 .
20ـ مقدمة
كتاب بغداد لابن طيفور.
21ـ أخطأ
الكوثري في ذكر اسم : ابن حمدان, قد بينا ذلك في ص 11.
22ـ مقدمة كتاب بغداد لابن طيفور.
23ـ اشتهر
ابن اسحق صاحب الفهرست بـ (ابن النديم) و هو تصحيف, و الصحيح : النديم,
كما ذكر ذلك المحققون و منهم الاستاذ رضا جدد المازندراني في مقدمة
الطبعة الثانية للكتاب.
24ـ دائرة
المعارف, مادة ابن أبي (طيفور) طاهر.
25ـ
الموسوعة العربية الميسرة , مادة : ابن أبي طيفور.
26ـ ياقوت
الحموي في معجم الأدباء , بترجمة جعفر بن محمد الموصلي الشافعي.
27ـ الشيخ
محمد زاهد الكوثري في كتاب بغداد لابن طيفور.
28ـ ياقوت
الحموي , معجم الأدباء , 7 / 204.
29ـ
ديوان
طرفة بن العبد , ص 19.
30ـ ديوان
امريء القيس , ص 144.
31ـ
السيوطي , شرح شواهد المغني , ص 802.
32ـ كتاب
الصناعتين , ص 203.
33ـ
بمعنى
: أشك فيه.
34ـ
كتاب
الصناعتين , ص 202.